inbound8372290357877038651

ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد

Avatar of عرفة القاطي اليملاحي بقلم: نُشر في: أغسطس 7, 2026 - 12:26 متعديل: أغسطس 7, 2026 - 12:32 م

لهذه الساحة رمزية كبيرة في قلوب التطوانيين. حملت معها ذكريات مدينة بأكملها قبل أن تُهدم سنة 1986. هدم الفدان كان بمثابة طمس لذكريات عاشتها ساكنة تطوان بين أشجارها وكراسي مقاهيها، فما بقي لسكان المدينة إلا ذكريات تربطهم ارتباطاً وطيداً بساحتهم.

1. الأصل والتسمية: لماذا “الفدان”؟
الفدان اسم يُطلق على كل أرض زراعية واسعة غير محاطة بزرب مانع. كان أول الأمر فداناً زراعياً خارج السور الأول لتطوان الذي بناه القائد الغرناطي سيدي علي المنظري سنة 1484م. فلما توسعت المدينة وبُني السور الجديد صارت الساحة واقعة داخله، بين باب العقلة وباب الرموز، وقريبة من باب الصعيدة.

عُرف الفدان بأسماء عدة: “فدان لوقش” نسبة لعائلة لوقش التطوانية، “فدان الرياض” لقربه من رياض المخزن، “فدان الزرع” نسبة إلى سوق الزرع القديم.

يقول مؤرخ تطوان الكبير محمد داود: “والفدان هو ذلك الفضاء الواسع الذي كان يقع خارج باب الرموز ولماذا لم نقل باب الرواح لأنه لا يندرج ضمن الأبواب السبعة كان سوق الزرع يجتمع فيه سكان البادية والحاضرة، فتباع فيه الحبوب والسمن والصوف، وكان منزل القوافل الواردة على تطوان”.

2. سوق الزرع: قلب تطوان الاقتصادي لخمسة قرون
من أهم وأشهر أسواق مدينة تطوان أيام زمان. كان هذا السوق يعرف حركة ونشاطاً تجارياً على الدوام، وكان يقام ثلاث مرات في الأسبوع. وكان يؤمه عدد غفير من سكان القبائل المجاورة: بني يدر، بني حزمر، أنجرة. وتأتيه قوافل الحمارين والجمالين من داخل وخارج المدينة عبر باب العقلة و باب الصعيدة للقوافل التي تأتي من بني معدن والحوز.

كان يوجد بقسمه الشمالي الشرقي “ديوانة تطوان القديمة”، وفي جنوبه الغربي سوق الزرع، وبجواره سوق الحدادين القريب من حومة العيون. وكانت “الكرنة القديمة” أي المذبح تقع به أيضاً.

3. عهد الحماية الإسبانية 1913-1956: من الفدان إلى Plaza de España
عند احتلال الإسبان لمدينة تطوان أطلقوا على ساحة السوق اسم “ساحة إسبانيا”. وقاموا ببناء مقر إقامتهم الإدارية “القنصلية”، وكنيسة فرنسيسكانية بجوارها في المكان الذي كانت توجد به “كرنة” المدينة.

شيدوا حديقة حول مبنى الإقامة، وأطلقوا عليها اسم “ساحة المسرح Plaza de Teatro”. ومع مرور الزمن أُنشئت ساحة الفدان الشهيرة بهندستها الأندلسية البهية، وأصبحت من أجمل المناطق الخضراء بالمدينة.

4. الفدان 1956-1986: الحديقة الأندلسية وذاكرة التطوانيين
بعد الاستقلال، أبقى أهل تطوان تسميته بالفدان. صار الفدان يسمى “جنان الباشا لوقش” ثم “ساحة الفدان” بهندستها الأندلسية: نافورات، زليج، أشجار، كراسي، وكشك موسيقي.

كانت تُعد هذه الساحة العريقة رمزاً من رموز المدينة وتراثاً ثقافياً تغنت به القصائد والأغاني الشعبية. وكانت فيها مقاهي شهيرة، ومصلى العيدين وصلاة الاستسقاء لقرون. وبجوارها باب الرواح الذي كسب شهرة واسعة لتواجده بزنقة تجارية شهيرة ببيع المجوهرات.

5. 1986: الهدم والتحول إلى “ساحة المشور السعيد”
في منتصف الثمانينات جُرفت ساحة الفدان وأصبحت أرض هذه الساحة العريقة جزءاً تابعاً للقصر الملكي بتطوان، وأُطلق عليها اسم “ساحة المشور السعيد” حيث تُقام فيها حالياً الاحتفالات الرسمية كعيد العرش وحفل الولاء.

وهكذا نلاحظ المراحل التي مرت بها هذه الساحة العريقة بمدينة تطوان عبر الزمن: من فدان زراعي خارج السور، إلى سوق زرع دولي إلى ساحة إسبانيا، إلى حديقة أندلسية بهية، ثم إلى ساحة المشور الملكي.

اليوم لم يبق من الفدان إلا الصور القديمة الملونة حديثاً، والأغاني الشعبية، وحنين لا يموت. “سقى الله أيام الفدان… كانت تطوان فيه كاملة”.


.

inbound7593666963161833002
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 19

الصورة 1: شباب الستينات في ساحة الفدان “أناقة جيل الاستقلال”
الفدان في أوج جماله بعد الاستقلال. شابان باللباس العصري ديال الستينات كيتصورو تحت أشجار الساحة. الخلفية كتوثق التحول: سيارات أمريكية، وبنايات بأقواس إسبانية. هنا كان “كورنيش” تطوان، متنفس الشباب والعائلات قبل هدمه سنة 1986.

inbound3015349635349382881
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 20

. الصورة 2: المحكمة والقصبة من علو “قلب تطوان الإداري في الخمسينات”
لقطة من فوق تظهر “المحكمة الابتدائية” بواجهتها ذات الأقواس الثلاثة، صومعة جامع الباشا، و”ثكنة الريغولاريس” والقصبة فوق جبل درسة. الساحة كانت تضم أيضاً “ديوانة تطوان” و”الإقامة العامة الإسبانية”. هذا توثيق لتحول الفدان من سوق للزرع إلى مركز سلطة في عهد الحماية.

inbound8372290357877038651
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 21

.

الصورة 3: ساحة الفدان من الجو – الستينات.”الجنان الأندلسي قبل الهدم”
أجمل توثيق جوي للفدان. تظهر الحديقة بتصميمها الأندلسي: ممرات متقاطعة، نافورة وسطية، نخيل، وزليج. هذا هو “جنان الباشا لوقش” الذي تغنى به التطوانيون. على الأطراف: المحكمة، الإقامة العامة، والعمارات الإسبانية. جُرفت بالكامل منتصف الثمانينات لتحل محلها ساحة المشور السعيد.

inbound4403977396823040707
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 22

الصورة 4: الكشك الأندلسي والزليج التطواني “تفاصيل من جنة مفقودة”
جوهرة الفدان: الكشك الموسيقي بقبته الخضراء وأقواسه البيضاء، والزليج التطواني الأصيل. طفل بالجلباب جالس على السور. كل هذا اقتُلع سنة 1986. كان الفدان مصلى للعيدين، وهنا كانت تُقام حفلات “الفانتازيا” والفروسية.

inbound8890509755368462984
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 23

الصورة 5: “Vue générale du Soko” – سوق الزرع 1900″فدان الزرع كما رآه المصورون الأوائل”
بطاقة بريدية فرنسية بداية القرن 20. هذا هو “سوق الزرع” الأصلي قبل تدخل الإسبان. أرض ترابية، نساء بالحايك، رجال بالجلالب، بغال محملة بالقمح. كان يقام أيام الأربعاء والجمعة والأحد، وتأتيه القوافل من قبائل بني يدر وأنجرة وبني حزمر. هذا ما وصفه محمد داود: “يجتمع فيه البادية والحاضرة، وكان منزل القوافل الواردة على تطوان”.

inbound8418000248725000523
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 24

الصورة 6: ديوانة تطوان والمخزن”بين السلطة والتجارة: ADUANA”
صورة مزدوجة. العليا: موكب مخزني رسمي أمام “ديوانة تطوان” حيث كانت تُجبى “المكس” – ضرائب الحبوب. السفلى: نفس المبنى في الأربعينات تحول إلى إدارة عصرية. هذا التحول يلخص انتقال الفدان من سوق مخزني إلى إدارة استعمارية.

inbound5215169023762137311
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 25

الصورة 7: مقاهي الفدان – ظلال النخيل “قهوة المتقاعدين والأدباء”
لقطة من الحياة اليومية في الستينات. رجال بالجلالب والطربوش على كراسي القش تحت النخيل. هنا كانت مقاهي شهيرة مثل “قهوة الخصراوي”، يجلس فيها المتقاعدون والأدباء. الفدان لم يكن مجرد حديقة، بل صالون تطوان الثقافي المفتوح.

inbound7395164609029825157
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 26

الصورة 8: نساء أوروبيات في Plaza de España”التحول الاجتماعي في عهد الحماية”
صورة من عشرينات القرن الماضي. نساء أوروبيات بالفساتين والقبعات في “ساحة إسبانيا”. في الخلف مبنى القنصلية. توثق التغيير الديموغرافي بعد 1913. رغم ذلك، أهل تطوان ظلوا يسمونها “الفدان”.

inbound2050082399768141294
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 27

الصورة 9: سوق الزرع من زاوية أخرى 1900 “البطاقة البريدية التي جابت العالم”
بطاقة بريدية عليها طابع “MAROC TETUAN”. تظهر كثافة القوافل والنساء والبغال. الأرض مدكوكة بأقدام آلاف التجار لقرون. هذه البطاقات هي التي عرّفت العالم بـ “سوق تطوان الكبير” الذي وصفه الرحالة باديا y Leblich سنة 1803.

inbound1778251426375746533
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 28

الصورة 10: سوق الزرع قرب القنصلية الإسبانية”LE MAROC – Tétuan – Vue générale du Soko près de la Légation Espagnole”
لقطة شاملة للفدان بداية القرن 20، وجبال غرغيز في الخلف. الدكاكين البيضاء تحيط بالساحة الترابية. القنصلية الإسبانية بدأت تظهر في الصورة، إيذاناً ببداية التغيير العمراني. هذا هو “فدان لوقش صعودا من باب العقلة وهو في آخر أيامه كسوق تقليدي قبل أن يتحول إلى “بلاصا”.

inbound4741816543482532517
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 29

الصورة 11: تجمع شعبي في الفدان “الساحة منبر المدينة”
تجمع كبير للسكان وسط الساحة، والكشك الأبيض في الوسط. في الخلف تظهر القصبة والمحكمة. الفدان لم يكن سوقاً فقط، بل كان ساحة للخطب والمناسبات الوطنية والدينية. هنا كان “مصلى العيدين” لقرون، ومنه تنطلق مواكب السلاطين.

inbound5351261886333578820
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 30

الصورة 12: Plaza de España في العشرينا “الحديقة الإسبانية الأولى”
بداية “تجنين” الفدان. الإسبان أنشأوا حديقة صغيرة وسط الساحة، فيها كشك دائري ونخيل. صارت “ساحة المسرح Plaza de Teatro” للعروض الترفيهية. هذه المرحلة الانتقالية بين “سوق الزرع” و”جنان الفدان” الذي سيكتمل بعد الاستقلال.

inbound8242119713534730415
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 31

الصورة 13: Vue générale du Soko – ازدحام السوق “المرأة التطوانية في قلب السوق”
لقطة إنسانية: نساء بالحايك يحملن أثقالهن على الظهر، يبعن ويشترين. في الخلف مبنى الديوانة. الصورة تؤكد أن الفدان كان فضاء اقتصادياً للنساء أيضاً. الطابع البريدي الإسباني يوثق أنها في عهد الحماية، لكن الروح تطوانية خالصة.

inbound6631995593168987286
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 32

الصورة 14: الفدان في بدايات القرن 20 “الفراغ قبل العمران الإسباني”
الساحة شبه فارغة، بعض المارة والباعة المتجولين. المباني المحيطة على الطراز المغربي-الأندلسي قبل البناء الإسباني. تظهر عربة وحفر في الأرض. هذه هي فترة “الهدوء” التي سبقت تحويل الفدان إلى ساحة إسبانيا سنة 1913. باب الرموز قريب من هذه الجهة.

inbound9149790876249202232
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 33

الصورة 15: جنان الفدان بريشة الفنان “الذاكرة المرسومة: الجنة التي هُدمت 1986”
لوحة فنية توثق الفدان في ذروة جماله الستيني. نافورة مركزية، كشك موسيقي، زليج تطواني بألوان بهية، نخيل، كراسي رخامية. هذا هو “مصلى العيدين” ومكان استجمام العائلات. اللوحة بتوقيع “م. بلقاضي” صارت شاهداً على جنة فقدتها تطوان سنة 1986 لما جُرف الفدان ليصبح “ساحة المشور السعيد”.

inbound5840875805244841430
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 34

الصورة 16: الساحة في عهد الحماية “بين الجلابة والقبعة: زمن التحول”
صورة ملونة نادرة. مجموعة نساء أوروبيات بالفساتين والقبعات يتمشين في الساحة. في الخلف مباني إسبانية. هذه اللقطة تشرح لماذا رفض التطوانيون اسم “ساحة إسبانيا” وتمسكوا باسم “الفدان”. الساحة صارت فضاء للمعمرين، لكن الذاكرة الشعبية بقات مرتبطة بالاسم الأندلسي.

inbound1918161108429745968
ساحة الفدان بتطوان: ذاكرة مدينة من سوق الزرع إلى المشور السعيد 35

الصورة 17: Vue générale du Soko – طابع بريدي “شاهد على قرن من التجارة”
بطاقة بريدية أخرى مع طابع “MAROC”. تظهر أكياس الحبوب والدواب والباعة. هذه البطاقات هي التي جعلت “سوق تطوان” أشهر أسواق شمال المغرب. قال عنه ليون الإفريقي في القرن 16: “سوق تطوان الكبير خارج الأسوار”. وظل كذلك حتى 1913.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *