inbound4094436015296520451

باب العقلة الباب المالكة أو باب العقلاء وقصة حاكمتين، وتلاقح ثلاث ثقافات على حجر واحد.

Avatar of عرفة القاطي اليملاحي بقلم: نُشر في: يونيو 26, 2026 - 11:37 متعديل: يوليو 12, 2026 - 3:02 ص

إذا وقفت أمام باب العقلة المتواجدة بالمدينة العتيقة بتطوان التي أدرجت 1997 ضمن التراث العالمي من قبل منظمة اليونيسكوا واعتبرته أجمل وأكمل نموذج للمدينة الأندلسية المغربية خارج الأندلس بنت غرناطة ، فأنت لا تقف أمام مجرد بوابة حجرية، بل أمام صفحة مفتوحة من تاريخ المدينة حيث تعاقبت حاكمتان، وتلاقحت ثلاث ثقافات، وتركت كل واحدة بصمتها على المكان.

بُنِي باب العقلة مع إعادة تأسيس تطوان على يد زوجها السيد علي المنظري سنة 1484م، لكن روحه الحقيقية ارتبطت بالسيدة الحرة، حاكمة تطوان وشريكة الحكم في شفشاون.

inbound3199917909324649941

السيدة الحرّة

كانت السيدة الحرة أميرة أندلسية هاربة من سقوط غرناطة، جمعت بين سيف المجاهَدة وحكمة الإدارة، ويقال إن ساحة “باب العقلاء” التي أخذ الباب اسمه منها، كانت أحد مجالسها حيث تجتمع مع فقهاء المدينة وأعيانها للشورى وتدبير شؤون الجهاد والعمران.

inbound4853357913292608788
باب العقلة الباب المالكة أو باب العقلاء وقصة حاكمتين، وتلاقح ثلاث ثقافات على حجر واحد. 10

في عهدها كانت تطوان ملاذا للمسلمين واليهود الأندلسيين معا. فالسيدة الحرة فتحت المدينة أمام اليهود السفارديم الذين طُردوا من إسبانيا سنة 1492م، فاستقروا داخل الأسوار وبرعوا في التجارة والترجمة وصناعة الفخار والزليج.

ومن هنا بدأت ثقافة يهودية تطوانية حاضرة في كل حقبة، تتقن العربية الدارجة والإسبانية والعبرية، وتسكن جنب المسلمين في حارة اليهود (الملّاح) الملاصقة لأبواب المدينة.

قوس باب العقلة
باب العقلة الباب المالكة أو باب العقلاء وقصة حاكمتين، وتلاقح ثلاث ثقافات على حجر واحد. 11

أما هذا القوس الأندلسي فهو قلب باب العقلة من الداخل في زمن العشرينيات والثلاثينيات. هنا كانت تطوان تتنفس: امرأة تعبر بحايكها الأبيض، وشيخ يتوكأ على عصاه بجلابته الداكنة. تحت هذا القوس مرّ الفقيه الرهوني إلى درسه، و عبد الله كنون إلى مكتبته، و عبد السلام بنونة إلى اجتماعات الوطن.

كان هذا المعبر بوابة لعالم كامل من الأسواق والزوايا وطلبة جامع لوقش و حرفيي دار الصنائع. زمن كان فيه الخليفة في قصره، والإسبان في إدارتهم، لكن الروح التي تسري تحت هذا القوس كانت تطوانية خالصة، لا تخطئها العين.
تحت هذا القوس..

باب العقلة هذا الباب الخشبي الضخم في عشرينيات القرن الماضي، حين كانت أبواب تطوان السبعة لا تزال تحرس المدينة. الخشب الذي نخرته الرطوبة كان يوماً ما يصدر صريراً مهيباً كل مغرب، عندما يقف “البراح” على عتبته وينادي: «يا عباد الله الداخل يدخل والخارج يخرج».

من هنا مرّت مواكب الخليفة المولى المهدي بن إسماعيل عائدة من المصلّى، وعبره دخل محمد داود وعبد الخالق الطريس وكل جيل دار الصنائع التي قامت على يمينه سنة 1919. إنه باب الزمن الذي كان للمفتاح فيه هيبة، ولليل حرمة.

بعد أربعة قرون، عاد الاسم الإسباني ليفرض نفسه على الباب. فمع سقوط تطوان بيد الإسبان سنة 1860م في حرب تطوان، غُير اسم “باب العقلاء” إلى”Puerta  Reina La” أي “الباب الملكة”، تكريما لإيزابيلا الثانية.

inbound1927575368167384465
باب العقلة الباب المالكة أو باب العقلاء وقصة حاكمتين، وتلاقح ثلاث ثقافات على حجر واحد. 12

لم تكن إيزابيلا حاكمة مباشرة للمدينة، لكن اسمها على الباب صار رمزا لمرحلة جديدة: مرحلة الحماية الإسبانية التي بدأت رسميا سنة 1912م.

في هذه المرحلة دخلت تطوان على خط الثقافة الأوروبية من أوسع أبوابها.

باب العقلة قديما
موكب الخليفة المولى المهدي بن إسماعيل متوجّها إلى تطوان

هذه البطاقة البريدية النادرة تؤرخ للحظة مهيبة من تطوان زمن الحماية الإسبانية، وتحديداً بين 1913 و1923. العنوان الإسباني على الهامش “TETUAN. — El Jalifa dirigiéndose a Tetuán” يوثق عودة موكب الخليفة المولى المهدي بن إسماعيل من مصلّى العيد خارج الأسوار نحو المدينة العتيقة. المشهد التُقط على الأرجح من فوق باب العقلة، والطريق الترابي الممتد أمامنا هو المدخل الغربي لتطوان المحروسة.

الزمكان هنا ينطق بالهيبة المخزنية: مئات من الحرس والفرسان والخيالة يتقدمون الموكب، وخلفهم جموع غفيرة بجلابيب بيضاء، في طقس سلطاني كان يُقام كل عيد. على يمين الطريق أرض فارغة سيُشيّد عليها دار الصنائع سنة 1919، وفي الأفق يلوح بيت بريشة بشجرته الباسقة، شاهداً على تطوان التي لم يغزها الإسمنت بعد.

وجاء “معهد مريانو بيرتوتشي” قرب الباب شاهدا على ذلك، وهو الرسام الإيطالي مريانو بيرتوتشي الذي استقر في تطوان أواخر القرن 19م، عشق زليج المدينة وعمارتها الأندلسية واراد ان يصتع جسرا يربط بين المدينة الحديثة والمدينة العتيقة  دار الصنائع حاليا و برج الإسقالة من تلاميذ هذا الفنان خرج فنانو “مدرسة تطوان” الذين صاروا أعمدة الفن التشكيلي المغربي الحديث.

حصن الإسقالة الذي أُنشئ سنة 1830-1831 م، في عهد السلطان العلوي مولاي عبد الرحمان،و تم تشييده على يد القائد وعامل البناء التطواني “محمد أشعاش”، ولا تزال النقيشة الأصلية التي تؤرخ لهذا الحدث شاهدةً فوق بابه الرئيسي،حيث أُسس كجهاز عسكري دفاعي للمراقبة، حيث كان يُمكّن من استكشاف محيط المدينة وتوفير الحماية للمنطقة. ، وأسس مدرسة فنية مزجت بين الرسم الأكاديمي الأوروبي والزخرفة المغربية.

متحف باب العقلة: أحدث المتحف الإتنوغرافي حاليا لباب العقلة سنة 1928م على يد البعثة الأثرية الإسبانية في عهد الحماية الإسبانية لشمال المغرب، وكان يعرف حينها بـ “متحف تطوان الأثري“.

inbound2729575106154382301
متحف تطوان الإثنوغرافي

يقع المتحف داخل أحد أبراج سور المدينة العتيقة الملاصقة لباب العقلة، أحد الأبواب التاريخية السبعة لتطوان والمصنفة ضمن التراث العالمي لليونيسكو..

tetouan museum
باب العقلة الباب المالكة أو باب العقلاء وقصة حاكمتين، وتلاقح ثلاث ثقافات على حجر واحد. 13

يختص المتحف بتوثيق الحياة اليومية والتراث المادي واللامادي لمدينة تطوان عبر العصور، ويضم مجموعات من اللباس التطواني التقليدي، والحلي، والصناعات اليدوية كالزليج والنقش على الجبس والخشب، إضافة إلى مقتنيات تبرز الحضور اليهودي السفاردي والتبادل الثقافي مع الضفة الأخرى للمتوسط، ليكون بذلك ذاكرة حية تجاور سقاية باب العقلة وحصن الإسقالة الذي تحول اليوم من مربط للخيول ومستودع للفحم إلى فضاء متحفي.
.
هكذا تختصر باب العقلة قصة تطوان:

  • الأندلسية الإسلامية ممثَّلة في السيدة الحرة وعلي المنظري: عمارة دفاعية، وشورى، واستقبال لمهجري غرناطة.
  • الإسبانية الأوروبية ممثلة في إيزابيلا وبيرتوتشي: تغيير الأسماء، وإدخال المدارس الفنية، وتوثيق المدينة بريشة المستشرقين.
  • الثقافة اليهودية السفاردية الحاضرة دائما: كان اليهود التطوانيون هم حلقة الوصل اللغوية والتجارية بين ضفتي المتوسط. خطوا وثائق الباب، وبنوا دكاكينهم قربه، وبرعوا في صناعة الزليج الذي تزينت به “سقاية باب العقلة” في عهد عمر لوقاش القرن 18م.

باب العقلة ليس باب مدينة فقط، بل هو “باب عقل” بالمعنى الرمزي: تعاقبت عليه حاكمة مغربية مجاهدة وحاكمة إسبانية مستعمرة، وتقابلت عنده ريشة فنان إيطالي وزليج صانع يهودي وحكمة قاض مسلم. هذا التعاقب والتلاقح هو سر تطوان. مدينة لم تُمح هويتها بالغزو، بل هضمت كل من دخلها وحولته إلى جزء من فسيفسائها.

ولهذا تبقى سقاية باب العقلة اليوم أكثر من معلم سياحي، هي مرآة تعكس كيف صنعت تطوان من صراع الحضارات جمالا مشتركا.

siqayat babal okla

سقاية باب العقلة

يختصر باب العقلة تاريخ تطوان في حجر واحد، فهو أحد أبواب المدينة العتيقة السبعة الذي شُيد بداية القرن السادس عشر غرب الأسوار، واكتسب اسمه من اجتماع حكماء المدينة عنده، قبل أن يتحول اسمه في عهد الحماية الإسبانية إلى “باب الملكة” تكريما لإيزابيلا الثانية.

يجاور الباب سقاية باب العقلة المزخرفة بالزليج التطواني، التي صارت معلما سياحيا بارزا، وقربه يقع حصن الإسقالة الذي تحول اليوم إلى متحف بعد أن كان في الأصل مربطا للخيول ثم مستودعا للسلع والبضائع الفلاحية، خصوصا الفحم الذي كان من أهم مصادر الطاقة قبل ظهور قارورة الغاز.

وقد ارتبط باب العقلة تاريخيا بـ “باب التوت” أو الباب الثاني الذي فُتح لاحقا لتخفيف الضغط عنه، فظلا معا بوابتين غربيتين للمدينة ترويان قصة جهاد وتجارة وفن جمعت بين عهد السيدة الحرة، والأثر الإسباني، والحضور اليهودي السفاردي الذي رافق المدينة في كل حقبها.

يتعد اليوم وجهة سياحية يقصدها زوار المدينة لاكتشاف تاريخها والاطلاع على طرازها المعماري، خصوصاً لتواجده قرب معالم أخرى هامة مثل ” متحف الإسقالة” والسقاية العتيقة وجامع للافريجة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *