خفايا الصدام الإسباني حول سبتة ومليلية: هل بدأ ترويض العقل الإسباني للتنازل؟
لم يعد ما ينشر في الصحافة الإسبانية مؤخرا مجرد “ضجيج موسمي” حول الهجرة أو العلاقات الثنائية. العناوين التي تتصدر `ABC` و`La Razón` و`El Diario` تكشف عن صدام إسباني-إسباني عميق، وتعيد إلى الواجهة ملفا ظل مجمدا لعقود: مستقبل سبتة ومليلية.
أبواق المؤسسة العسكرية في مواجهة “نفس جديد”
على طرف، تصر صحف `ABC` و`La Razón`، المعروفتان بقربهما من المؤسسة العسكرية الإسبانية، على ضرورة قيام الملك فيليبي السادس بزيارة سبتة لتأكيد “السيادة”. وبلغ الأمر ببعضها حد نشر خبر مفاده أن الملك محمد السادس سيزور الفنيدق قريبا، في مقابل “تردد” الملك فيليبي في زيارة المدينة.
كما ذهبت صحيفة أخرى إلى القول إن حكومة سانشيز “تنازلت سرا” للمغرب عن إدارة حدود المدينتين.
على الطرف المقابل، خرجت صحيفتان في التوقيت ذاته بعنوان موحد ومزلزل: “الحسن الثاني وخوان كارلوس اتفقا على تنازل إسبانيا عن المدينتين للمغرب”.
وثيقة 1979: اعترافات خوان كارلوس للأمريكيين
ما نشرته صحيفة `El Diario` يستند إلى ما وصفته بـ “محادثة موثقة” لعام 1979 بين الملك خوان كارلوس والجانب الأمريكي. وجاء فيها:
> “سأتنازل عن مليلية وسبتة للحسن الثاني، لأنني أخشى أن يقوم بمسيرة خضراء أخرى. سأبدأ بمليلية لأن عدد الإسبان فيها قليل، أما سبتة فوضعها أصعب. وأقترح إخضاعهما لإدارة أوروبية مشتركة مع المغرب”.
والأخطر في التصريح المنسوب إليه:
> “الجيش الإسباني سيحتج عند إعلان التنازل عن مليلية، لكن الأمر لن يدوم أكثر من شهرين. يمكنني السيطرة على احتجاج الجيش في مليلية”.
هذا التصريح، إن صح، يفكك جزءا كبيرا من “تابو” السيادة الذي ظل يرفعه جناح داخل الدولة الإسبانية لعقود.
مليلية أولا: صدفة أم خطة؟
يثير هذا التسريب سؤالا محوريا: لماذا مليلية وليس سبتة؟
أثناء أزمة سبتة الشهيرة، ترددت تحليلات تقول إن الهدف الحقي كان “التغطية على عملية دخول ناعم إلى مليلية”. وبمقارنة ذلك مع ما قاله خوان كارلوس عن “قلة عدد الإسبان في مليلية” وسهولة احتواء رد فعل الجيش هناك، ومع “الولوج الناعم” الذي ميز مليلية مقارنة بحدة التوتر في سبتة، تبرز علامة استفهام كبيرة: هل كان هناك تفاهم غير معلن مع أجنحة داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية في المدينتين؟
صدام إسباني-إسباني: جناح فرانكو ومنطق الدولة
يكشف النقاش الدائر اليوم عن وجود تيارين داخل إسبانيا:
1. تيار “جناح فرانكو”: متمسك برمزية المدينتين في ذاكرة “جيش إفريقيا”، ويرى فيهما آخر معاقل الوجود المسيحي في بوابة إفريقيا. هذا التيار لا يزال، حسب متابعين، تحت تأثير إرث الكنيسة والعسكر، ويسعى إلى “حلب” كل من يدعم موقفه، وعلى رأسهم العسكر الجزائري وحلفاؤه.
2. تيار “منطق الدولة”: يدرك أن استرجاع المغرب لأراضيه مسألة وقت، ويرى أن فتح صفحة جديدة مع الرباط بعيدا عن إرث “إيزابيلا” هو الخيار الاستراتيجي الوحيد لإسبانيا في القرن 21.
ترويض الرأي العام: تمهيد للتنازل؟
إن إعادة الحديث الإعلامي المكثف عن “اتفاق الحسن الثاني وخوان كارلوس” لا يمكن فصلها عن سياق ترويض الرأي العام الإسباني. الهدف هو نزع صدمة “التنازل” وتحويله من طابو مقدس إلى نقاش سياسي عقلاني، وتفادي تحويله إلى أزمة داخلية.
والمغرب، من جهته، لم يتخل يوما عن مبدأ وحدته الترابية. فمن المرينيين إلى السعديين إلى العلويين، ظل التشبث بالأرض ثابتا رغم تغير الأنظمة والحكام.
ما الذي يُطبخ تحت الطاولة؟
السؤال الذي تفرضه هذه التسريبات هو: هل الضجة الإعلامية الحالية في يمين ويسار إسبانيا هي فعلا محاولة لمنع المغرب من استرجاع أراضيه؟
أم أنها غطاء متعمد لإخفاء محادثات جارية بين الرباط ومدريد، بعيدا عن أعين ما يمكن تسميته “الجناح الإسبانو-جزائري” الرافض لأي تقارب؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة. لكن المؤكد أن شيئا ما يُطبخ بين المغرب وإسبانيا، وأن الصحافة الإسبانية بدأت، عن قصد أو غير قصد، تمهد الطريق له.
التعاون يصنع المستقبل… والإنكار يصنع القطيعة.














