العنصرة في تطوان عيد الماء وموسم البحر الذي يحرس ذاكرة الشمال
الصور التي بين أيدينا ليست مجرد لقطات من أرشيف الصيف، بل هي شهادة حية على العنصرة، أحد أقدم الاحتفالات الشعبية في شمال المغرب، وموروث ثقافي لامادي ظل أهل تطوان يحافظون عليه جيلاً بعد جيل.
فالعنصرة ليست مجرد عادة موسمية، ولا مناسبة عابرة مرتبطة بالبحر، بل هي جزء من الذاكرة الجماعية للمدينة، وطقس شعبي يجمع بين الماء، والفرح، والهوية، وحنين الناس إلى جذورهم الأولى.
ما هي العنصرة؟
العنصرة منزلة فلاحية في التقويم الأمازيغي اليولياني، تبدأ يوم 7 يوليوز وتستمر لمدة 13 يوماً، لكنها في وجدان أهل تطوان وجبالة أكبر من مجرد تاريخ في الرزنامة.
فهي تُعرف عند كثيرين باسم “عيد الماء” و”موسم البحر”، حيث يرتبط الاحتفال بها بالاستحمام في البحر، والتبرك بالماء، والخروج الجماعي نحو الشواطئ، خاصة شاطئ مرتيل.
جذور ضاربة في عمق التاريخ
تشير الروايات المحلية وبعض الدراسات الإثنوغرافية إلى أن أصل العنصرة يعود إلى معتقدات قديمة سابقة للإسلام، ارتبطت بطقوس الماء والخصوبة والشمس في حضارات البحر المتوسط.
ومع دخول الإسلام، لم تختفِ هذه العادة من حياة الناس، بل احتفظت بها المجتمعات المحلية في إطار اجتماعي وفلاحي، بعد أن نُزعت عنها أبعادها الوثنية القديمة، لتتحول إلى موسم شعبي للتطهر والفرح الجماعي.
وهكذا، لم تبقَ العنصرة عبادة أو معتقداً دينياً، بل أصبحت عادة تطوانية أصيلة، توارثها الناس باعتبارها جزءاً من ثقافتهم الشعبية وذاكرتهم المحلية.
طقوس العنصرة في تطوان
في الصور القديمة، نرى جداتنا بالحايك الأبيض، أو بالقاب الفاسي، أو بالشاشية، وهي القبعة القشية العريضة، وهن ينزلن إلى شاطئ مرتيل في مشهد يلخص علاقة تطوان التاريخية بالبحر.
كان الخروج إلى البحر هو الطقس المركزي في هذه المناسبة، حيث تتحول الطريق من باب العقلة إلى مرتيل إلى مسار احتفالي مفتوح، يجمع العائلات والفقهاء وطلبة جامع لوقاش وحرفيي دار الصنائع.
من باب العقلة إلى شاطئ مرتيل
في ليلة السابع من يوليوز، كان التطوانيون يخرجون أفواجاً من باب العقلة في اتجاه الشاطئ، رجالاً ونساءً وأطفالاً، في أجواء يغلب عليها الفرح والانتظار.
كان الرجال يرتدون الجلابة والطربوش، فيما تخرج النساء بالحايك الملفوف واللثام، في مشهد تقليدي يعكس أناقة المدينة وخصوصية لباسها.
ولم يكن الهدف من النزول إلى البحر هو السباحة بالمعنى الحديث، بل ما يُعرف محلياً باسم “التعنصير”، أي غمر الجسد بماء البحر سبع موجات.
وكان الاعتقاد الشعبي السائد أن ماء العنصرة يشفي بعض الأمراض الجلدية، ويطرد العين، ويجلب البركة للعام كله.
موكب الفلايك والدورة البحرية
من أبرز مشاهد العنصرة في تطوان ومرتيل ما كان يُعرف بموكب الفلايك، حيث كانت القوارب التقليدية تُزيَّن بالأعلام، وتحمل العائلات في جولات بحرية احتفالية.
وكان أصحاب القوارب من مرتيل يستعدون لهذه المناسبة بعناية، فيزينون الفلوكة ويأخذون الناس في جولة تُعرف باسم “الدورة”، لتتحول صفحة البحر إلى فضاء احتفالي مفتوح.
حضور الأعيان ورمزية الاحتفال
لم يكن الاحتفال بالعنصرة مقتصراً على عامة الناس فقط، بل كان يحظى أيضاً بحضور رمزي من شيوخ المدينة وأعيانها.
وتحكي الذاكرة المحلية أن الخليفة المولى الحسن بن المهدي كان يبارك هذا الاحتفال، في مشهد يعكس مكانة العنصرة داخل المجتمع التطواني، باعتبارها مناسبة تجمع بين الشعبي والرسمي، وبين البحر والمدينة.
طقوس الماء داخل البيوت
لم تكن العنصرة مرتبطة فقط بمن استطاع الذهاب إلى البحر، بل امتدت طقوسها إلى البيوت أيضاً.
فمن لم يستطع النزول إلى الشاطئ، كان يرش الماء على عتبة البيت فجر العنصرة، وتُملأ الأواني والخوابي بماء جديد، في إشارة إلى التجدد والطهارة وبداية موسم مختلف.
ماء البحر والحناء والورد
كانت الأمهات يغسلن شعر البنات بماء البحر المخلوط بالحناء والورد، اعتقاداً منهن أن ذلك يساعد على أن يطول الشعر ويقوى.
وهذه الطقوس، رغم بساطتها، تكشف عن مكانة الماء في المخيال الشعبي التطواني، حيث لم يكن الماء مجرد عنصر طبيعي، بل رمزاً للشفاء والنقاء والبركة.
العنصرة اليوم.. إرث يقاوم النسيان
رغم تغير الزمن وتبدل أنماط الحياة، لم تنقطع العنصرة عن الذاكرة التطوانية.
فاللوحات الزيتية والصور الحديثة للقوارب المزينة بالأعلام المغربية تؤكد أن هذا الطقس لا يزال حاضراً، ولو بأشكال جديدة تتماشى مع روح العصر.
من طقس شعبي إلى كرنفال للهوية
اليوم، لا تزال جمعيات المجتمع المدني في تطوان ومرتيل والمضيق تخلد العنصرة كل سنة في السابع من يوليوز.
ويخرج الناس باللباس التقليدي، وتُنظم سباقات الفلوكة، وتُقام معارض للمنتجات المحلية، في محاولة لإحياء هذا الموروث وصونه من النسيان.
لقد تحولت العنصرة من طقس فلاحي وصحي إلى كرنفال ثقافي يعبر عن الهوية التطوانية، ويعيد ربط الأجيال الجديدة بذاكرة المدينة.
من باب العقلة إلى رمال مرتيل
من تحت القوس في باب العقلة، حيث عبرت أسماء كبيرة في تاريخ تطوان مثل عبد الله كنون وعبد الخالق الطريس، إلى رمال مرتيل التي احتضنت أجيالاً من النساء والرجال والأطفال، ظلت العنصرة شاهدة على علاقة المدينة بالبحر.
إنها ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل خيط ممتد بين تطوان الحماية وتطوان اليوم، بين الجدات اللواتي لبسن الحايك والشاشية، والحفيدات اللواتي ما زلن يفتخرن بنفس الطراز والهوية.
البحر في ثقافة تطوان
العنصرة تؤكد أن البحر في ثقافة أهل الشمال ليس فقط مكاناً للسياحة والاصطياف، بل فضاء للبركة والطهارة والفرح الجماعي.
فهو جزء من الوجدان الشعبي، ومن الذاكرة المشتركة، ومن الحكايات التي تتناقلها العائلات جيلاً بعد جيل.
العنصرة.. ذاكرة مدينة لا تموت
العنصرة ليست أسطورة، بل ذاكرة مدينة كاملة.
هي الحبل السري الذي يربط تطوان القديمة بتطوان الحديثة، وهي الدليل على أن العادات الشعبية قادرة على مقاومة النسيان حين تجد من يحرسها ويعيد إحياءها.
وكما يقول المثل التطواني:
“ماتت الليالي والعنصرة ما ماتت”.


















