الاتفاق الأمريكي الإيراني

بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني هل تعود أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب؟

Avatar of Adham Ahmed بقلم: نُشر في: يونيو 15, 2026

رغم الترحيب الواسع بإعلان الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، فإن أسواق النفط العالمية تبدو أكثر حذراً من موجة التفاؤل الأولى. فالتوصل إلى اتفاق سياسي لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة الإمدادات فوراً، خصوصاً أن كميات كبيرة من النفط لا تزال عالقة داخل منطقة الخليج وتنتظر طريقها إلى الأسواق العالمية.

وبينما تراجعت أسعار النفط مباشرة بعد الإعلان عن الاتفاق، يرى محللون أن عودة السوق إلى وضعها الطبيعي قد تستغرق وقتاً أطول مما يتوقعه البعض، خاصة مع الحاجة إلى إعادة بناء المخزونات العالمية التي تراجعت خلال فترة الأزمة.

تراجع أولي في أسعار النفط بعد الاتفاق

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الأحد، اكتمال الاتفاق مع إيران، مؤكداً أن مضيق هرمز أصبح مفتوحاً مجدداً أمام الملاحة.

وعقب الإعلان، انخفض الخام الأميركي بأكثر من 4.5% ليقترب من مستوى 80 دولاراً للبرميل، في حين تراجع خام برنت بنحو 4% إلى حوالي 83 دولاراً للبرميل.

ورغم هذا الهبوط، لا تزال أسعار النفط أعلى بأكثر من 20% مقارنة بالمستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب، ما يعكس استمرار القلق بشأن الإمدادات وحركة التجارة البحرية.

النفط العالق لم يصل بعد إلى الأسواق

يرى ديفيد جوربناز، رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في شركة ICIS، أن الحديث عن عودة فورية للإمدادات لا يزال مبكراً.

وأوضح أن هناك نحو 100 مليون برميل من النفط الخام، إضافة إلى نحو 35 مليون برميل من المنتجات النفطية، لا تزال عالقة على متن ما يقارب 250 ناقلة في منطقة مضيق هرمز.

وقال إن الاتفاق يمثل خطوة دبلوماسية مهمة ويشير إلى نية واضحة لإعادة تدفق الإمدادات، لكنه لا يعني أن حركة التجارة ستعود إلى طبيعتها بشكل مباشر.

تحديات لوجستية وأمنية مستمرة

خلال الأسابيع الماضية، شهدت المنطقة زيادة في عمليات العبور غير المعلنة عبر مضيق هرمز، حيث أغلقت بعض الناقلات أجهزة التتبع الخاصة بها. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية نشاطاً مكثفاً لعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى قبالة سواحل سلطنة عمان.

وبحسب جوربناز، رافقت البحرية الأميركية أكثر من 100 مليون برميل عبر المضيق خلال الشهر الماضي، لكن إيران لا تزال تملك تأثيراً فعلياً على حركة الملاحة في المنطقة.

كما تواصل شركات التأمين التعامل مع مضيق هرمز باعتباره منطقة مرتفعة المخاطر، وهو ما قد يبقي تكاليف الشحن والتأمين عند مستويات مرتفعة لفترة إضافية.

الأسواق تفاعلت مع الإعلان لا مع الواقع الكامل

يرى جوربناز أن انخفاض أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 4% و5% عقب الإعلان عن الاتفاق كان رد فعل طبيعياً لتراجع المخاوف الفورية، لكنه لا يعكس الصورة الكاملة للسوق.

فالنفط العالق داخل الخليج لن يصل إلى المصافي العالمية خلال أيام قليلة. إذ يتطلب الأمر عبور المضيق، ثم تفريغ الشحنات، وبعد ذلك معالجتها داخل المصافي قبل أن تصل المنتجات النهائية إلى المستهلكين.

ويؤكد أن هذه العملية قد تستغرق أسابيع وربما أشهراً، ما يجعل عودة الإمدادات إلى طبيعتها أمراً تدريجياً لا فورياً.

إعادة بناء المخزونات قد تدعم الأسعار

العامل الأهم في المرحلة المقبلة، بحسب محللي الطاقة، لا يرتبط فقط بالنفط العالق، بل بما سيحدث بعد انتهاء الأزمة.

فخلال فترة الحرب، استهلكت الحكومات والمصافي والمستهلكون كميات كبيرة من المخزونات المتاحة لتخفيف أثر اضطرابات الإمدادات. ومع عودة الهدوء النسبي، ستبدأ مرحلة إعادة بناء هذه المخزونات، وهو ما قد يخلق طلباً إضافياً على النفط.

ثلاث موجات طلب متوقعة

يحدد جوربناز ثلاث موجات رئيسية قد تدعم الطلب على النفط خلال الفترة المقبلة.

الأولى تتمثل في إعادة ملء الاحتياطيات الاستراتيجية الصينية التي جرى السحب منها خلال الأزمة. والثانية ترتبط بإعادة تكوين المخزونات الطارئة التي استخدمتها الحكومات حول العالم. أما الثالثة فتتمثل في قيام المصافي بإعادة بناء مخزوناتها التشغيلية بعد فترة طويلة من الاعتماد على الكميات المتاحة لديها.

ويشير إلى أن كل برميل يتم شراؤه لإعادة بناء المخزونات يمثل طلباً جديداً في سوق لا تزال تعاني من شح نسبي، لذلك تبدو عودة خام برنت إلى مستويات ما قبل الحرب أمراً غير مرجح في الأجل القريب.

انخفاض واضح في المخزونات العالمية

تعكس بيانات المخزونات حجم الضغط الذي تعرضت له سوق النفط خلال الفترة الماضية. فقد تراجعت مخزونات النفط الخام البرية عالمياً بنحو 60 مليون برميل منذ أواخر مارس، لتصل إلى نحو 3 مليارات برميل حالياً.

كما تشير تقديرات شركة كبلر إلى أن السوق سحبت ما يقرب من مليوني برميل يومياً من المخزونات خلال الشهرين الماضيين، وهو ما يتماشى مع العجز الفعلي في سوق النفط العالمية.

السوق استهلك نفط المستقبل

من جانبه، يرى إرن لوهمان راسموسن، كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management، أن رد فعل أسعار النفط يعكس جزئياً أن الأسواق كانت قد بدأت بالفعل في تسعير احتمال التوصل إلى اتفاق خلال الأسابيع الماضية.

وأشار إلى أن خام برنت تراجع إلى ما يزيد قليلاً على 83 دولاراً للبرميل، بينما هبطت هوامش تكرير زيت الغاز بشكل واضح مقارنة بالذروة التي سجلتها في أوائل أبريل.

ويتوقع راسموسن أن يواصل النفط التراجع على المدى القصير، وربما يتحرك في نطاق يتراوح بين 80 و82 دولاراً للبرميل، مع احتمال حدوث هبوط مؤقت دون المستويات العادلة بسبب ضعف السيولة.

العودة إلى 60 أو 70 دولاراً تبدو صعبة

رغم احتمالات التراجع القصير الأجل، يستبعد راسموسن عودة خام برنت إلى النطاق الذي كان سائداً قبل الحرب بين 60 و70 دولاراً للبرميل.

ويقول إن السوق استهلك كميات كبيرة من النفط من المخزونات خلال الأزمة، وهو ما يعني أن المرحلة المقبلة ستتطلب إعادة بناء تلك المخزونات، إضافة إلى تكوين احتياطيات استراتيجية جديدة وتلبية الطلب المؤجل الذي تراكم خلال فترة الحرب.

توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية

قدرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مخزونات النفط العالمية انخفضت بمعدل 8.5 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من عام 2026، وهو ما دفع أسعار خام برنت إلى متوسط يقترب من 106 دولارات للبرميل خلال مايو ويونيو.

وتتوقع الإدارة أن يتم استعادة معظم الإنتاج المتوقف بالكامل بحلول يناير 2027، على أن تبدأ المخزونات العالمية في التراكم مجدداً، ما قد يساعد على خفض أسعار النفط تدريجياً إلى متوسط 79 دولاراً للبرميل في عام 2027.

نطاق واسع لتحركات النفط خلال الأشهر المقبلة

يتوقع راسموسن أن يتحرك خام برنت خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة داخل نطاق واسع يتراوح بين 75 و100 دولار للبرميل، مع ترجيح التداول في النصف الأدنى من هذا النطاق.

لكن عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب تبدو مرتبطة بمدى سرعة عودة الإمدادات، وانخفاض تكاليف الشحن والتأمين، وقدرة الدول والمصافي على إعادة بناء مخزوناتها دون خلق موجة طلب جديدة تضغط على السوق.

هل تهبط أسعار النفط فعلاً؟

قد تنخفض أسعار النفط على المدى القصير مع تراجع المخاوف الجيوسياسية وإعادة فتح مضيق هرمز، لكن الهبوط الكبير إلى مستويات ما قبل الحرب لا يبدو مضموناً.

فالأسواق لا تتعامل فقط مع نهاية الأزمة السياسية، بل مع آثارها المتراكمة على الإمدادات والمخزونات وسلاسل النقل والتأمين. لذلك قد تبقى أسعار النفط مدعومة خلال الفترة المقبلة، حتى مع استمرار التراجع التدريجي في علاوة المخاطر.

وبذلك، فإن الاتفاق الأميركي الإيراني قد يفتح الباب أمام تهدئة أسعار النفط، لكنه لا يكفي وحده لإعادتها سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب.

المصادر

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *