أزمة التضخم العالمية: لماذا لن يزول أثر ارتفاع النفط سريعاً؟
على الرغم من تراجع أسعار النفط العالمية مؤخراً عقب الهدنة في الشرق الأوسط، يجمع الخبراء الاقتصاديون على أن “انفراجة الطاقة” ليست كافية لإنهاء الأزمات الاقتصادية والاضطرابات المدنية التي تعصف بالعديد من الدول. فالتداعيات التي خلفتها أسعار الطاقة المرتفعة تركت ندوباً عميقة في ميزانيات الأسر، مما يجعل التعافي الكامل أمراً بعيد المنال في المدى القريب.
تآكل القدرة الشرائية: لماذا تستمر الاضطرابات؟
شهدت دول مثل كينيا، إندونيسيا، وبوليفيا موجات احتجاجية واسعة خلال الأسابيع الماضية، كانت شرارتها قرارات رفع أسعار الوقود وتصاعد تكاليف المعيشة. وتؤكد مؤسسة “فيريسك مابلكروفت“ البريطانية لاستشارات المخاطر، أن العالم سجل في الربع الثاني من عام 2026 أعلى معدلات اضطراب مدني منذ ست سنوات.
ويشير “توربيورن سولتفيدت”، رئيس منطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا بالمؤسسة، إلى أن الضغوط التضخمية الناتجة عن أضرار البنية التحتية للطاقة واضطرابات الشحن ستستمر في التأثير على الاقتصاد العالمي حتى نهاية النصف الثاني من عام 2026.
خارطة المخاطر: الدول الأكثر عرضة للاحتجاجات
وفقاً لمؤشر الاضطرابات المدنية، جاء ترتيب الدول التي تواجه أكبر ضغوط اجتماعية وسياسية كالتالي:
- العراق وتركيا: في صدارة القائمة من حيث القفزات النسبية في النشاط الاحتجاجي.
- الهند والبرازيل: تدهور حاد في مستويات المخاطر مع تصاعد احتمالات المظاهرات.
- إيران: شهدت اضطرابات داخلية مرتبطة بالوضع الاقتصادي والسياسي.
- إفريقيا: تحذيرات من اتساع رقعة الاحتجاجات في إثيوبيا، تنزانيا، نيجيريا، وجنوب إفريقيا.
معضلة الحكومات: بين المطرقة والسندان
تواجه الحكومات، خاصة في الأسواق الناشئة، خيارات سياسية ومالية بالغة التعقيد:
- دول ذات ملاءة مالية (مثل إندونيسيا والفلبين): لديها القدرة على امتصاص الصدمات عبر توسيع برامج الدعم الحكومي.
- دول ذات مراكز مالية ضعيفة: تقع تحت ضغط “معضلة مصيرية”؛ فإما تمرير الأسعار المرتفعة للمواطنين (مما يهدد بثورات جياع)، أو تحمل التكاليف (مما يعيق خطط الضبط المالي ويزيد من مخاطر التصنيفات الائتمانية السلبية من وكالات مثل “موديز”).
تحديات الإصلاح الاقتصادي وصندوق النقد
تزداد الأزمة تعقيداً بالنسبة للدول المرتبطة ببرامج إصلاحية مع صندوق النقد الدولي، الذي يضغط لرفع الدعم الشامل عن الوقود. ويرى المحللون أن هشاشة الهدنة في الشرق الأوسط تظل “سيفاً مسلطاً” على أسواق الائتمان؛ فأي تجدد لضغوط الأسعار قد يعيد الموازنات الحكومية إلى دائرة الخطر في أي لحظة.
ختاماً: استشراف المستقبل
يشير المحللون إلى أن التوجه العام لتقليص دعم الوقود ضروري للإصلاح المالي، لكن تنفيذ هذه السياسات في ظل تضخم مستمر يظل “مغامرة” محفوفة بالمخاطر الاجتماعية. ومع استمرار الاضطرابات في دول مثل المكسيك والأرجنتين وكولومبيا، يظل الملف الاقتصادي هو المحرك الأول لاستقرار العالم في المرحلة المقبلة.
- المصدر: (رويترز)









