mounir abo lmaali

عاد صديقي من سبتة.. لكنه احتاج إلى رحلة أخرى كي يعود إلى بيته

Avatar of باب سبتة بقلم: نُشر في: نوفمبر 1, 2026 - 7:56 م

عاد صديقي من سبتة.

مكث هناك ثلاثة أشهر. كان واحدا من بين نحو مئة ألف شخص عبروا إلى المدينة الإسبانية في نهاية يوليوز الماضي، وكأنهم كانوا يقطعون في لحظة واحدة ذلك الخط الوهمي الفاصل بين الجنة والجحيم.

منذ ذلك اليوم، اختفى صديقي في دروب الأحياء ذات الغالبية السكانية المغربية. هناك، يفضل كثيرون أن يُنظر إليهم باعتبارهم “مسلمين” أكثر من كونهم مغاربة. لا يحبوننا تماما، لكنهم لا يستطيعون كرهنا أيضا. نحن، بالنسبة إليهم، تذكير دائم بالأصل، بطريق الآباء والأجداد، وبالجحيم الذي فروا منه هم أيضا ذات يوم.

لكن القسوة لا تحتاج دائما إلى كراهية.

كثير من هؤلاء يعيشون بدورهم على الهامش، وعلى الإعانات، ولا يملكون ما يسمح لهم بإسناد آلاف الوافدين الجدد. لذلك، لم تستغرق المأساة وقتا طويلا حتى تتحول إلى سوق.

شقق مكتظة، تشبه قوارب الهجرة أكثر مما تشبه البيوت، تؤجر بأسعار خيالية. دكاكين تضاعف أثمانها على المهاجرين. وكلما اقتربت أكثر من وسط المدينة، الأكثر إسبانية، بدا الموقف أكثر قسوة.

مقاه ومطاعم صغيرة يملكها مغاربة، ترفض دخول مهاجرين مغاربة إليها، كما لو أنهم كائنات ينبغي إبعادها عن الواجهة.

والأكثر مرارة أن هذا كله وجد من يطبل له في خطاب إعلامي لم يكن يحتاج إلا إلى صور فوضى قليلة كي يحول البشر إلى “مشكلة”.

سنحكي، ولا بد، قصصا كثيرة عن هؤلاء المهاجرين. بعضهم أفراد من عائلاتنا، بعضهم أصدقاؤنا، وبعضهم جيران نشأنا معهم.

لكن المأساة لا تنتهي عندما يقرر المهاجر أن يعود.

صديقي يحكي لي الآن ما صار قصة متكررة. بمجرد أن وطأت قدماه التراب المغربي عند معبر باب سبتة، أُخذ مباشرة ووُضع في حافلة انطلقت فجرا نحو مكان بعيد: بني ملال، على بعد نحو خمسمائة كيلومتر.

في الحافلة، لم يكن مسموحا بشيء تقريبا. لا توقف. لا حمام. لا اتصال بقريب. لا سؤال حتى عن الوجهة. رحلة تقارب ثماني ساعات، والحافلة لا تتوقف.

وُزِّعت عليهم أكياس بلاستيكية وقنينات فارغة. من احتاج إلى قضاء حاجته، فعليه أن يفعل ذلك حيث يجلس، أو في الدرج الصغير عند الباب الخلفي. الحافلة لن تتوقف.

عندما وصلوا إلى بني ملال، فُتح الباب بسرعة، وقيل للجميع: انزلوا. لا وداع. لا تفسير. لا “حظا سعيدا”.

وجد صديقي نفسه في مدينة لم يزرها في حياته، وعليه الآن أن يجد بنفسه طريقة العودة إلى الفنيدق. كان في جيبه قليل من المال، لكنه كان كافيا لشراء تذكرة. كان محظوظا.

آخرون لم يكن لديهم شيء. اضطروا إلى تسول ثمن الطريق، أو الاتصال بعائلاتهم لطلب تحويل مالي سريع.

وعليك أيضا أن تكون محظوظا بما يكفي حتى لا يصادف يوم ترحيلك يوم أحد، حين تكون معظم وكالات تحويل الأموال مغلقة.

عاد صديقي إلى بلدته محبطا، متعبا، ومنكسرا. قال لي إنه يحتاج إلى أيام فقط كي يفهم ما الذي جرى له منذ 31 يوليوز.

في الحقيقة، أنا أيضا متعب. أتعبتني هذه القصص التي صارت تدور حولنا كل يوم، إلى درجة أن “الأكثر حظا” بين أبناء بلدتي العائدين من سبتة هم أولئك الذين تتركهم سيارة نقل جماعي ليلا في مكان مظلم عند أطراف البلدة.

صديقي، مع ذلك، لا يشعر بالندم. يقول إن رحلته إلى سبتة لم تكن خطأ. وإن ندمه الوحيد في الحياة سيكون، كما قال لي، ألا يغادر هذا البلد مرة أخيرة…

لكن هذه المرة، بنجاح.

بقلم: منير أبو المعالي

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *