الجمارك المغربية تشدد الرقابة على واردات من الصين وتركيا بعد رصد تلاعبات في قيم التصريح
كشفت عمليات تدقيق جمركي موسعة عن شبهات غش مرتبطة بواردات قادمة من الصين وتركيا، بعد رصد تصريحات تتضمن قيمًا أقل من الأسعار الحقيقية لبعض السلع، من بينها الأثواب وألعاب الأطفال وألياف النسيج.
وتشير المعطيات التي نقلتها هسبريس عن مصادر مطلعة إلى أن بعض الشركات لجأت إلى خفض القيمة المصرح بها بنسب تراوحت بين 40 و60 في المائة، وهو ما دفع مصالح الجمارك إلى فتح مساطر منازعات لتحصيل الرسوم والفوارق المالية المستحقة، إلى جانب الغرامات المنصوص عليها قانونًا.
تدقيق 37 مهمة في ميناءي طنجة المتوسط والدار البيضاء
شملت عمليات المراقبة 37 مهمة تدقيق نُفذت في ميناء طنجة المتوسط وميناء الدار البيضاء، وركزت على مقارنة الوثائق المقدمة من المستوردين والمعشرين مع طبيعة البضائع وقيمتها الفعلية.
واعتمدت المصالح الجمركية على مسارين متكاملين في المراقبة:
مراقبة الوثائق والتصريحات
تشمل هذه المرحلة مراجعة الفواتير، وعقود الشراء والتسليم، والقيم المصرح بها، ومقارنتها بالأسعار المرجعية والمعطيات المتوفرة لدى إدارة الجمارك.
المعاينة المادية للبضائع
تتمثل في فحص الشحنات والتأكد من مطابقتها للبيانات المصرح بها، سواء من حيث النوع أو الكمية أو القيمة أو بلد المنشأ.
وتساعد هذه المراقبة المزدوجة على كشف الحالات التي تبدو سليمة من الناحية الورقية، لكنها لا تتطابق مع محتويات الحاويات أو القيمة التجارية الحقيقية للبضائع.
كيف يجري التلاعب بالقيمة الجمركية؟
تتمثل إحدى أبرز طرق الغش المرصودة في التصريح بقيمة منخفضة للبضائع المستوردة، ما يؤدي إلى تقليل الرسوم والضرائب التي تُحتسب بناءً على قيمة الشحنة.
فعندما تُخفض القيمة المصرح بها بنسبة كبيرة، تصبح الرسوم المؤداة أقل من المبلغ الواجب قانونًا، وهو ما يسبب خسائر للخزينة ويمنح المستورد المخالف أفضلية غير عادلة في السوق مقارنة بالشركات الملتزمة.
لماذا يؤثر خفض القيمة في المنافسة؟
لا يقتصر أثر هذه الممارسة على الرسوم الجمركية فقط، بل يمكن أن ينعكس على الأسعار داخل السوق المغربية.
فالمستورد الذي يؤدي رسومًا أقل بطريقة غير قانونية يستطيع عرض بضائعه بأسعار يصعب على المنافسين النظاميين مجاراتها، ما يضر بالتجار الملتزمين ويشجع على انتشار الممارسات غير المشروعة.
شبهات استغلال الموانئ الجافة لتجنب المراقبة
أظهرت التحريات الجارية وجود شبهات بشأن استغلال نقل بعض الشحنات من موانئ التفريغ إلى الموانئ الجافة لتقليل فرص خضوعها للمعاينة المباشرة عند نقطة الدخول الأولى.
ووفق المعطيات المنشورة، كانت بعض الشركات تصرح بسرعة تلف البضائع أو ارتباطها بعقود تسليم قصيرة الأجل، بهدف إخراجها سريعًا من الميناء البحري ونقلها إلى ميناء جاف لاستكمال إجراءات الجمركة.
ما المقصود بالميناء الجاف؟
الميناء الجاف منشأة لوجستية داخلية ترتبط بالموانئ البحرية، وتُستخدم لتخزين الحاويات واستكمال بعض الإجراءات الجمركية بعيدًا عن موقع التفريغ الأصلي.
ويؤدي هذا النوع من المنشآت دورًا مهمًا في تسريع حركة التجارة وتخفيف الضغط عن الموانئ، إلا أن ضعف التتبع بين نقطتي التفريغ والجمركة قد يفتح المجال أمام محاولات التلاعب إذا لم تكن المراقبة محكمة.
تبديل الشحنات ولوحات الترقيم ضمن الأساليب المرصودة
تتضمن الحالات التي تخضع للتحقيق شبهات بشأن تغيير محتويات الشحنات خلال انتقالها من الميناء البحري إلى الميناء الجاف.
وبحسب المعطيات نفسها، يجري ذلك عبر تجهيز شاحنات أخرى محملة ببضائع مختلفة، ثم استخدام لوحات ترقيم مرتبطة بالشحنة الأصلية للدخول إلى الميناء الجاف.
وتؤدي هذه الطريقة، في حال تنفيذها، إلى وصول بضائع مغايرة لتلك التي جرى تسجيلها عند التفريغ، ما يصعّب على المراقبين تتبع المسار الحقيقي للحاويات والتحقق من مطابقة الشحنة للتصريح الجمركي.
لماذا تمثل هذه الممارسات خطرًا اقتصاديًا؟
يؤثر الغش الجمركي في أكثر من جانب من الاقتصاد الوطني، ولا تقتصر أضراره على فقدان جزء من الرسوم المستحقة.
خسائر في الإيرادات العمومية
يؤدي التصريح بقيم أقل من الحقيقة إلى تقليص المبالغ المحصلة من الرسوم والضرائب على الواردات.
منافسة غير متكافئة
تحصل الشركات المخالفة على تكاليف استيراد أقل بصورة غير قانونية، ما يضع المستوردين النظاميين في وضع تنافسي غير عادل.
صعوبة مراقبة جودة المنتجات
عندما يجري تغيير محتويات الشحنات أو تقديم بيانات غير دقيقة، يصبح من الصعب التأكد من مطابقة السلع للمعايير الصحية والتقنية المطلوبة، خصوصًا في منتجات مثل ألعاب الأطفال والمنسوجات.
اضطراب البيانات التجارية
تعتمد الجهات الرسمية على بيانات الاستيراد في تقييم الأسواق ووضع السياسات الاقتصادية، وقد تؤدي التصريحات المضللة إلى تشويه الصورة الحقيقية لحجم التجارة وأسعار السلع المستوردة.
كيف تتحقق الجمارك من القيمة الحقيقية للبضائع؟
تعمل إدارة الجمارك على تطوير قواعد بيانات تسمح بمقارنة القيم المصرح بها في عمليات استيراد متشابهة، مع الاستفادة من المعلومات الواردة من الإدارات المغربية والشركاء الدوليين.
ويمكن أن تثير الفاتورة شكوك المراقبين عندما تكون القيمة أقل بصورة كبيرة من القيم المسجلة لبضائع مماثلة من البلد نفسه، أو عندما لا تتناسب مع الكميات أو تكاليف النقل والتأمين.
كما تساعد اتفاقيات تبادل المعلومات في مقارنة البيانات المقدمة داخل المغرب بالمعلومات المسجلة في بلد التصدير، ما يضيق هامش التلاعب بالفواتير والمنشأ والمسار التجاري.
ما الإجراءات المتخذة ضد الشركات المخالفة؟
فتحت مصالح الجمارك مساطر منازعات في الحالات التي ظهرت فيها فروق كبيرة بين القيمة الحقيقية والقيمة المصرح بها.
وتهدف هذه الإجراءات إلى:
- إعادة احتساب الرسوم والضرائب المستحقة.
- تحصيل الفارق المالي الناتج عن التصريح غير الصحيح.
- فرض الغرامات المنصوص عليها في التشريع الجمركي.
- تحديد المسؤولية عن الوثائق أو البيانات المخالفة.
- متابعة الحالات المعقدة وفق المساطر القانونية المناسبة.
وتواصل الإدارة، بحسب المعطيات المنشورة، اعتماد التسوية الودية كخيار رئيسي لتحصيل نسبة كبيرة من المبالغ المستحقة، دون أن يمنع ذلك من اللجوء إلى إجراءات أخرى تبعًا لطبيعة المخالفة وخطورتها.
هل تعني التسوية الودية إلغاء المخالفة؟
لا تعني التسوية الودية أن المخالفة لم تقع، وإنما تمثل آلية لتسوية النزاع المالي والقانوني وفق الشروط التي تحددها إدارة الجمارك.
ويتم من خلالها الاتفاق على أداء الرسوم والفوارق والغرامات المترتبة، بما يسمح بتحصيل المستحقات وتجنب استمرار النزاع لفترة طويلة، مع بقاء إمكانية اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في الحالات التي تتضمن وقائع معقدة أو امتناعًا عن التسوية.
تشديد الرقابة لحماية السوق والخزينة
تُظهر عمليات التدقيق الأخيرة اتجاهًا نحو تعزيز المراقبة المبنية على تحليل المخاطر بدل الاكتفاء بالفحص التقليدي لجميع الشحنات بالطريقة نفسها.
ويتيح هذا الأسلوب توجيه عمليات التفتيش نحو الشركات أو السلع أو المسارات التي تظهر فيها مؤشرات غير معتادة، مثل الانخفاض الكبير في القيمة، أو التكرار غير المبرر لنقل الشحنات إلى الموانئ الجافة، أو وجود اختلاف بين الوثائق والمحتوى الفعلي.
ويظل نجاح هذه المقاربة مرتبطًا بتتبع الحاويات منذ وصولها إلى الميناء وحتى انتهاء إجراءات الجمركة، وربط قواعد البيانات بين الموانئ البحرية والجافة، بما يقلل فرص تغيير الشحنات أو التلاعب بمسارها.
- المصدر: هسبريس









