وزيرة فرنسية شراكة باريس وأبوظبي تتجاوز التجارة التقليدية نحو الذكاء الاصطناعي والطاقة
لم تعد العلاقات الاقتصادية بين فرنسا والإمارات محصورة في قطاعات تقليدية مثل النفط والطيران والمنتجات الفاخرة والعقارات، رغم استمرار حضور هذه المجالات ضمن التبادل التجاري بين البلدين. فما يتشكل اليوم يبدو أوسع من مجرد علاقة تجارية كلاسيكية، إذ تمضي باريس وأبوظبي نحو شراكة أكثر ارتباطاً بملفات الاقتصاد العالمي الجديد، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والطاقة منخفضة الكربون، والأمن المائي، والحوسبة المتقدمة، والتنمية القائمة على المصالح المشتركة.
وفي مقابلة مع CNN الاقتصادية، قدّمت إليونور كاروا، الوزيرة الفرنسية المنتدبة للفرنكوفونية والشراكات الدولية وشؤون الفرنسيين في الخارج، قراءة فرنسية لهذا التحول، معتبرة أن ما يميز الإمارات هو تعاملها مع الابتكار والحداثة بوصفهما أدوات عملية لمواجهة التحديات العالمية، لا مجرد عناوين اقتصادية براقة.
ومن هذا المنطلق، ترى باريس أن العلاقة مع أبوظبي لم تعد تقتصر على تبادل السلع والخدمات، بل أصبحت جزءاً من بحث أوسع عن نماذج نمو أكثر استدامة، وأكثر قدرة على تعزيز السيادة الاقتصادية والتكنولوجية.
توسع تجاري يعكس تحولاً أعمق
هذا التحول لا يأتي من فراغ، إذ شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين فرنسا والإمارات 10.8 مليار يورو في عام 2025، بزيادة قدرها 27% مقارنة بالعام السابق.
كما أصبحت الإمارات أكبر شريك تجاري لفرنسا في الشرق الأوسط، وتستوعب نحو 55% من الصادرات الفرنسية إلى منطقة الخليج، بينما تحافظ فرنسا على فائض تجاري كبير مع الإمارات بلغ 8.6 مليار يورو في 2025.
لكن الأرقام وحدها لا تشرح طبيعة التحول الجاري، فالقصة الأهم تكمن في انتقال العلاقة من قطاعات تقليدية واضحة إلى ملفات استراتيجية تتداخل فيها التكنولوجيا مع الطاقة، والاستثمار مع السيادة، والتنظيم مع التنافسية.
من التجارة إلى شراكة في التحول
تعتبر كاروا أن انتقال العلاقة من مجالات الطاقة والنفط والرفاهية والعقارات إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية يرتبط بطبيعة الإمارات نفسها. فالدولة، بحسب قراءتها، تنظر إلى الابتكار والحداثة من زاوية الإجابة عن تحديات عالمية، أبرزها الانتقال من الاعتماد على الطاقة الأحفورية إلى نموذج نمو أكثر استدامة.
وتوضح أن فرنسا والإمارات لا تتحركان فقط بدافع المصالح التجارية، بل لأنهما تواجهان أسئلة مشتركة حول المستقبل: كيف يمكن بناء اقتصاد يواصل النمو من دون زيادة الانبعاثات؟ وكيف يمكن تأمين الطاقة والمياه؟ وكيف تمتلك الدول قدرات تكنولوجية تجعلها أقل عرضة للأزمات واضطرابات سلاسل الإمداد؟
المناخ والمياه في صلب التعاون
تشير كاروا إلى أن فرنسا تعمل مع الإمارات في ملفات الطاقة الشمسية، إلى جانب تعاون أوسع مع شركاء آخرين مثل الهند. وترى أن مؤتمر COP28، الذي استضافته دبي، كان محطة مهمة أظهرت قدرة الإمارات على لعب دور مؤثر في صياغة النقاش الدولي حول المناخ.
كما توقفت الوزيرة عند استضافة الإمارات مؤتمراً مهماً حول المياه، مؤكدة أن ملف المياه لم يعد قضية منفصلة، بل أصبح مرتبطاً بمعظم السياسات العامة، من الزراعة والطاقة إلى الصحة والتنمية.
الطاقة النووية بين الخبرة الفرنسية والنموذج الإماراتي
تحضر الطاقة النووية في العلاقة بين فرنسا والإمارات من زاويتين مختلفتين لكنهما متكاملتان. ففرنسا تمثل أحد أقدم وأكبر النماذج النووية في العالم، إذ تمتلك ثاني أكبر أسطول نووي بعد الولايات المتحدة، وتعتمد على الطاقة النووية في نحو ثلثي إنتاجها المحلي من الكهرباء.
أما الإمارات، فتقدم نموذجاً حديثاً في المنطقة من خلال محطة براكة للطاقة النووية في أبوظبي، وهي أول محطة نووية تجارية متعددة الوحدات في العالم العربي.
وتنتج فرنسا مئات التيراواط/ساعة سنوياً من الكهرباء النووية، مستندة إلى خبرة تشغيلية وصناعية طويلة في هذا القطاع. في المقابل، تنتج محطة براكة نحو 40 تيراواط/ساعة سنوياً من الكهرباء النظيفة، بما يغطي قرابة 25% من إجمالي احتياجات الإمارات من الكهرباء، ونحو 57% من الكهرباء المستخدمة في المنازل.
وتربط كاروا هذا الملف بفكرة السيادة الطاقية، موضحة أن فرنسا، بحكم محدودية مصادر الطاقة الأحفورية لديها، بنت جانباً كبيراً من استقلالها الطاقي على الطاقة النووية والطاقة الخضراء.
وبالنسبة إلى باريس، لا تمثل الطاقة النووية مجرد مصدر كهرباء منخفض الكربون، بل أداة لتقليل الاعتماد على الأزمات الخارجية وتعزيز السيادة في إنتاج الكهرباء. أما بالنسبة إلى الإمارات، فقد أسهمت محطة براكة في تسريع خفض الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء.
لذلك، فإن أي تعاون محتمل في هذا المجال لا يُقرأ كتعاون تقني فحسب، بل كجزء من نقاش أوسع حول أمن الطاقة، وخفض الانبعاثات، وبناء قاعدة كهرباء مستقرة لاقتصاد يعتمد أكثر فأكثر على التكنولوجيا.
الجالية الفرنسية كمؤشر على الثقة
لا يقتصر تطور العلاقات بين فرنسا والإمارات على الاقتصاد والتكنولوجيا، بل يمتد أيضاً إلى البعد الإنساني. فقد ارتفع عدد الفرنسيين المقيمين في الإمارات بنسبة 14%، وهو ما تربطه كاروا بجاذبية الدولة كبيئة تستقبل الفرنسيين وتتيح لهم تطوير أعمالهم والحفاظ على ثقافتهم والعيش في فضاء دولي واستراتيجي.
وفي رسالة مباشرة إلى الفرنسيين المقيمين في الإمارات، قالت كاروا إنهم محظوظون بوجودهم في بلد يعاملهم بشكل جيد ويأخذهم بعين الاعتبار. وربطت ذلك بجودة العلاقة بين باريس وأبوظبي، خصوصاً خلال الأزمات، مشيرة إلى أن حماية المواطنين في الخارج تُعد من المهام الأساسية للدبلوماسية الفرنسية.
وتتابع فرنسا، بحسب الوزيرة، أوضاع نحو 3.5 مليون من مواطنيها المقيمين حول العالم، مؤكدة أن حضورها في الإمارات يحمل رسالة دعم للجالية الفرنسية الراغبة في البقاء والمشاركة في تطور الدولة.
الشركات والاستثمارات قاعدة صلبة للعلاقة
تدعم الأرقام مسار الشراكة المتنامية، إذ تستضيف الإمارات أكبر تجمع للشركات الفرنسية في الشرق الأوسط، بما يتراوح بين 600 و700 شركة فرعية توظف نحو 30 ألف شخص.
وتنشط هذه الشركات في قطاعات متعددة، تشمل النقل، والبنية التحتية، والطاقة، والرعاية الصحية، والسلع الاستهلاكية، واللوجستيات.
في المقابل، تتجه الاستثمارات الإماراتية في فرنسا نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر. ويشمل ذلك إطار تعاون في الذكاء الاصطناعي يتضمن التزاماً إماراتياً قد يصل إلى 50 مليار يورو لدعم تطوير مركز كبير للذكاء الاصطناعي في فرنسا.
التنظيم بين الانتقادات والرد الفرنسي
تأتي مسألة التنظيم في فرنسا وأوروبا في وقت تتزايد فيه انتقادات بعض قادة المال والأعمال للبيئة التنظيمية الأوروبية. وكان جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورغان تشيس، قد اعتبر في وقت سابق أن أوروبا تعاني من إفراط في التنظيم.
لكن كاروا ترد على هذه النظرة من زاوية مختلفة، مؤكدة أن فرنسا أجرت تغييرات عميقة في أطرها التنظيمية، وأن ذلك ساعدها، بحسب قولها، على أن تكون الدولة الأكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية في أوروبا للعام السابع على التوالي.
ولا تنفي الوزيرة أن فرنسا لا تزال دولة عالية التنظيم، لكنها تميز بين نوعين من القواعد: تنظيم يحمي المصلحة العامة، وتنظيم يعرقل الابتكار. وبالنسبة إليها، لا تكمن المشكلة في وجود التنظيم بحد ذاته، بل في طبيعته، وما إذا كان يوفر إطاراً واضحاً للاستثمار أم يتحول إلى عائق أمامه.
وتوضح أن بعض القطاعات لا يمكن تركها لمنطق السوق وحده، لأن الحلول الأسرع أو الأقل كلفة قد لا تكون الأفضل على المدى الطويل. ففي ملفات مثل حماية المحيطات، والانتقال إلى الطاقة منخفضة الكربون، وتطوير النقل البحري والجوي الأكثر استدامة، تحتاج الشركات إلى إطار تنظيمي واضح يدفعها إلى استثمارات كبيرة مقدماً، حتى لو لم تظهر عوائدها فوراً.
وتستشهد كاروا بمعاهدة أعالي البحار، معتبرة أن حماية الموارد البحرية وإنشاء مناطق محمية في الأماكن التي تحتاج إلى ذلك لا يمكن أن يتحققا من دون قواعد دولية. وترى أن التنظيم في هذه الحالات لا يعطل السوق، بل يمنع السوق من إنتاج نتائج تضر بالبيئة والموارد المشتركة.
التوازن الصعب بين الحماية والتنافسية
مع ذلك، لا تقدم كاروا التنظيم باعتباره حلاً مثالياً بلا كلفة. فهي تشير إلى أن قطاعات مثل الزراعة في فرنسا تكشف عن التوتر الحقيقي بين حماية الصحة والجودة والبيئة من جهة، والحفاظ على قدرة المنتجين على المنافسة من جهة أخرى.
فالمزارعون الفرنسيون، كما تقول، يشعرون أحياناً بأنهم يخضعون لمعايير أعلى من تلك المطبقة في دول أخرى، ما قد يضعهم في موقع تنافسي أكثر صعوبة.
لذلك، تبدو المعادلة التي تطرحها كاروا أكثر دقة من مجرد الدفاع التقليدي عن التنظيم. فالمطلوب، بحسب رؤيتها، هو تنظيم يحمي البيئة والصحة والأصل والجودة، من دون أن يجعل الشركات والمنتجين أقل قدرة على المنافسة في السوق العالمية.
ومن هنا، ترى أن نجاح فرنسا في جذب الاستثمارات، وكذلك نتائج فعالية Choose France الأخيرة، يعكسان قدرة البلاد على تجديد نفسها تنظيمياً من دون التخلي عن فكرة أن بعض القطاعات تحتاج إلى قواعد واضحة كي تستثمر وتتطور.
المغرب في رؤية فرنسا للشراكات الجديدة
لا تقتصر هذه المقاربة الفرنسية على الإمارات. فحديث كاروا عن المغرب يكشف جانباً آخر من إعادة صياغة باريس لعلاقاتها الاقتصادية في محيطها المتوسطي والإفريقي.
وتصف الوزيرة المغرب بأنه جار لفرنسا لا يفصلها عنه سوى البحر المتوسط، مشيرة إلى الجالية المغربية الكبيرة في فرنسا، وإلى الروابط التجارية والإنسانية العميقة بين البلدين.
كما تبرز مشاركة وفد مغربي كبير في قمة Africa Forward التي نظمتها فرنسا في نيروبي، حيث حضر أكثر من 100 رجل وسيدة أعمال من المغرب، في إشارة إلى رغبة متبادلة في تجديد العلاقة الاقتصادية.
وتستشهد كاروا بخبرة الشركات الفرنسية في البنية التحتية، ومنها ترام الرباط الذي بنته وتديره شركات فرنسية، لتؤكد أن الحضور الفرنسي لا يقتصر على التمويل أو السياسة، بل يمتد إلى مشاريع ملموسة في المدن والبنية التحتية والخدمات.
من المساعدات إلى المصالح المتبادلة
يمتد هذا المنطق من الخليج إلى شمال إفريقيا وما بعدها. فحديث كاروا عن الإمارات، كما حديثها عن المغرب، يعكس محاولة فرنسية لإعادة صياغة الشراكات الاقتصادية حول فكرة أكثر عملية: الدول تحدد أولوياتها، وفرنسا تدخل كشريك عبر التمويل أو الشركات أو الخبرة أو المؤسسات التنموية، ضمن مشاريع تخدم الطرفين.
في هذا الإطار، تصبح الشراكات الدولية أقل ارتباطاً بفكرة المساعدات التقليدية أو النفوذ القائم على الدعم التنموي المباشر، الذي اعتمدته فرنسا لعقود في عدد من الدول الإفريقية وأجزاء أخرى من العالم، وأكثر ارتباطاً ببناء مصالح مشتركة طويلة الأمد.
فالحضور الفرنسي في البنية التحتية المغربية، أو في التكنولوجيا والطاقة والاستثمار داخل الإمارات، يعكس توجهاً واحداً: الانتقال من علاقات تقوم على أدوات منفصلة إلى شراكات تجمع التنمية والاقتصاد والاستثمار والحضور السياسي ضمن نموذج واحد أكثر مرونة.
ولا يقتصر هذا التحول على السياسة الخارجية، بل ينسجم أيضاً مع إعادة تعريف دور الدولة داخل الاقتصاد الفرنسي نفسه. فبدلاً من الاكتفاء بالدعم التقليدي أو التمويل غير المشروط، تتحرك فرنسا أكثر نحو نموذج تكون فيه الدولة مستثمراً مؤسسياً نشطاً، عبر أدوات مثل Bpifrance، التي تعمل بمنطق الشراكة مع القطاع الخاص والعائد على رأس المال والسيادة الاستراتيجية.
ووفق الأرقام التي أرسلتها، ضخّت Bpifrance نحو 72 مليار يورو في الاقتصاد الفرنسي عام 2025، وحققت 3.2 مليار يورو من التخارجات عبر 127 صفقة، بالتوازي مع مبادرة France 2030 البالغة 54 مليار يورو، وقمة Choose France التي جذبت التزامات استثمارية قياسية بقيمة 93 مليار يورو عبر 71 مشروعاً.
وبهذا المعنى، تتعامل فرنسا مع التمويل العام كأداة لبناء منظومات تنافسية في التكنولوجيا والصناعة والدفاع، لا كوسيلة لدعم نماذج اقتصادية قديمة.








