مفارقات أسواق الطاقة: أزمة مضيق هرمز تدر 36 مليار دولار.. ومخاوف من ارتدادات “الانهيار القادم”
بعد أسابيع وجيزة من تسجيل أرباح قياسية وتاريخية، يواجه كبار مالكي ناقلات النفط في العالم هاجس انهيار وشيك في السوق. وتأتي هذه المخاوف مدفوعة بالاحتمالات المتزايدة لتوصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق دبلوماسي قد يسفر عن إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، وهو الممر الحيوي الذي يتدفق عبره عادةً نحو خُمس الإمدادات العالمية من الخام.
وكان المضيق قد شهد إغلاقاً فعلياً وتشديداً للقبضة الإيرانية منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي. هذا الإغلاق، رغم تداعياته السلبية على الاقتصاد العالمي، أحدث طفرة غير مسبوقة في عوائد شركات الشحن البحري؛ حيث قفزت أرباح القطاع إلى 36 مليار دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، وفقاً لبيانات شركة «كلاركسونز» لوساطة الشحن، محطمة الرقم القياسي السابق البالغ 26 مليار دولار والمسجل عام 2022.
فخ الوفرة المالية: من ذروة الازدهار إلى تخمة المعروض
تكمن الأزمة الراهنة في أن هذه العوائد الاستثنائية دفعت الشركات إلى ضخ استثمارات ضخمة في طلبات بناء وشراء سفن جديدة، مما يهدد بعودة “دورة الازدهار والانهيار” التقليدية التي تعصف بقطاع الملاحة دورياً.
وبحسب المؤشرات الرسمية للقطاع:
- حجم الطلبات: أظهرت بيانات شركة AXSMarine أن طلبات شراء ناقلات النفط العملاقة خلال العام الجاري تجاوزت الإجمالي المسجل في أي عام كامل سابق. كما تسير طلبات عام 2026 نحو مستويات قياسية مماثلة لعام 2024، والذي صُنّف كثالث أكثر الأعوام نشاطاً منذ عام 2000.
- تحذيرات قيادية: علّق ألكسندر سافيريس، الرئيس التنفيذي لشركة CMB Tech، قائلاً: «من المؤكد أن السوق ستتعرض لانهيار في مرحلة ما؛ فقد تم طلب عدد كبير للغاية من السفن، وسيكون لذلك ثمن باهظ في النهاية».
حركة الأسعار: تراجع تدريجي عن مستويات “الذروة”
رغم استمرار الإغلاق الجزئي للمضيق، بدأت أسعار استئجار الناقلات في التراجع نسبياً عن مستويات القمة التي سجلتها في الأسابيع الأولى للأزمة، حيث يوضح الجدول أدناه الفارق السعري:
| فئة الناقلة / التكلفة اليومية | في ذروة الحرب والأزمة | المستويات الحالية (مع توقعات الحل) | المتوسط في الأعوام الماضية |
| الناقلات الكبيرة (مليوني برميل/يوم) | +386 ألف دولار | 55 – 95 ألف دولار | 30 – 40 ألف دولار |
| متوسط كلفة الناقلات العامة | 163 ألف دولار | آخذة في الهبوط التدريجي | منخفضة ومستقرة نسبياً |
أسباب اشتعال الأسعار سابقاً: نتجت القفزة الجنونية في الأسعار عن احتجاز أكثر من 160 ناقلة نفط في منطقة الخليج بسبب الإغلاق، بالتزامن مع اضطرار السفن الأخرى لتحويل مساراتها بالكامل حول طريق “رأس الرجاء الصالح” لتفادي مخاطر البحر الأحمر.
الخارطة الاستثمارية: النفوذ اليوناني في صدارة المشهد
بينما تضررت غالبية القطاعات الاقتصادية من قفزات أسعار الطاقة، صُنّف قطاع الناقلات كالرابح الأكبر والمباشر من الأزمة. وتكشف البيانات الاستثمارية عن تصدر مالكي السفن اليونانيين لهذا المشهد العالمي؛ إذ تبلغ القيمة السوقية لأسطولهم العامل نحو 66.4 مليار دولار، متفوقين بفارق شاسع يصل إلى 26 مليار دولار عن نظيرهم الصيني، وفقاً لإحصاءات مؤسسة Veson Nautical.
سيناريوهات المستقبل: هل تنجو السوق من شبح التخمة؟
على الرغم من التحذيرات القوية من حدوث تخمة في معروض السفن في حال فتح المضيق، فإن هناك تياراً من التنفيذيين يرى أن المخاوف مبالغ فيها لسببين رئيسيين:
- تعويض النقص السابق: جاءت موجة الطلبات الحالية بعد سنوات طويلة من الجفاف ونقص المعروض في أعداد الناقلات عالمياً.
- تغيرات هيكلية دائمية: قد تدفع الحرب الجيوسياسية الراهنة إلى إعادة رسم دائمة لمسارات نقل الطاقة، تفضي إلى تفضيل طرق أطول لكنها أكثر أماناً، مما يدعم أسعار الشحن مستقبلاً.
وفي هذا السياق، تلخص أنجيليكي فرانغو، الرئيسة التنفيذية لشركة Navios Partners اليونانية، المشهد بقولها: «الطلبات المفرطة لبناء السفن قد تضغط على الأسعار، لكن هذا التأثير سيتراجع أمام اعتبارات الأمن القومي للدول والحاجة الملحة لتأمين سلاسل إمداد موثوقة للطاقة».








